محمد أبو زهرة
3669
زهرة التفاسير
ويلاحظ هنا ذكر الذين يظهر خيرهم ولم يذكر الذين يظهر شرهم ، وكأنهم همل لا يعدون في الأحياء ، فالحياة حياة الروح ، ولقد قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 122 ) [ الأنعام ] . فالذي ظهر شره يعد ميتا وإن لم يمت ، وإن المشركين مع هذا الخلق وذلك الإبداع منكرون اليوم الآخر ، وأن اللّه يعيدهم كما بدأهم أول مرة ، ولذلك قال تعالى : وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ، ( اللام ) الموطئة للقسم ، أي إن قلت لهم مؤكدا القول بعد هذه الآيات البينات في دلالتها وكمال وضوحها في قدرة الحكيم العليم الخالق لكل شئ ، لئن قلت لهم يا محمد إنكم لمبعوثون من بعد الموت ، لا يكون الجواب بالإيجاب بل يكون بالسلب ؛ لأن موضع استغرابهم أنه بعد الموت . وقد أكد اللّه تعالى قول النبي بالقسم وبالجملة الاسمية وإنّ المؤكدة إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ ، كما أكد إجابتهم باللام وبنون التوكيد الثقيلة لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وقد كانت إجابتهم سلبا مع استغراب وجحود إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي إن إجابتهم ، إن هذا أمر باطل كما أن السحر أمر باطل ، وأن ذكره خيالات وأوهام كما أن السحر خيالات وأوهام ، وإن الإخبار بهذا لا دليل عليه إلا القرآن وإنه لسحر وقول ساحر وما هم بمصدقين لساحر أو مجنون . وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 8 ) . في قوله تعالى : وَلَئِنْ اللام موطئة للقسم ، ولئن أخرنا عنهم العذاب الذي نال مثله الذين من قبلهم إلى أمة أي مدة معدودة من السنين المحدودة القليلة ؛ لأن التعبير بمعدودة يومئ إلى أنها قليلة ، كما قال تعالى عن قول اليهود : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً . . . ( 80 ) [ البقرة ] فالأمة هنا بمعنى مدة .